حيدر حب الله
77
الحديث الشريف (حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج)
ولسنا أمام مشكلة التدوين فحسب ، بل حتى بعد التدوين ، يظلّ أمر النقل بالمعنى موجوداً بدرجة معيّنة ، وذلك إذا استعنّا بالفكرة التي تقول بأنّ بعض موارد القراءات التي ظهرت للقرآن الكريم كان مرجعها إلى أولى العمليّات التفسيريّة للقرآن بين المسلمين ؛ فالقارئ كان يرى السياق فيرجّح قراءة على أخرى ، وهذا نوعٌ من النقل بالمعنى أو ملحقٌ به ظهر بشكلٍ أكبر في عصر التدوين الأوّل ، فالنقط والتشكيل ونحو ذلك لم تكن موجودةً بقوّة في القرنين الأوّلين تماماً ، وإنّما انتشرت تدريجيّاً ، ومن الطبيعي في هذه الحال أن تظهر اجتهادات في التفسير من قبل الناقلين ولو للكتب ، وتؤثر على المعنى ، ومن ثمّ على طبيعة النقط والتشكيل فيما بعد ، وبهذا يجب أن نلاحظ ظاهرة اللحن وغيرها . وما نقوله هنا يختلف عن مسألة التصحيف والتحريف التي أخرجناها مطلع البحث عن دائرة النقل بالمعنى ؛ لأنّ ما نقوله هو تدوين الخطاب النبويّ وفقاً لفهم المعنى بشكل خاصّ ، وهذا غير خطأ النسّاخ في كلمةٍ وتدوينها - نتيجة تشابهٍ لفظيّ أو شكلي - بكلمة أخرى ، فانتبه . 5 - واقع نقل الأحاديث بين أيدينا ؛ فقد شرحنا سابقاً أنّ كثرة اختلاف الأحاديث في تفاصيل وتعابير وكلمات وتراكيب ، يشهد - فيما يشهد - على عادة النقل بالمعنى ، فلا نعيد ، حتى قيل : لا يكاد يوجد حديث متواتر باللفظ « 1 » ، وقد جمع بعض الباحثين المعاصرين صيغ الحديث المتواتر المعروف الذي قيل : إنه لا متواتر غيره : من كذب عليّ متعمّداً فليتبوّأ مقعده من النار ؛ فوجد له عشرات الصيغ في كتب الحديث الإسلامي « 2 » .
--> ( 1 ) ذهب إلى ذلك أبو عمرو الشهرزوري ( 643 ه - ) في كتابه علوم الحديث : 268 - 269 ، وإن اختلف معه بعض من جاء بعده مثل السيوطي ، فانظر نور الدين عتر ، منهج النقد في علوم الحديث : 406 - 407 . ( 2 ) انظر : يحيى محمّد ، مشكلة الحديث : 136 - 138 ؛ والوهيبي والمحرمي والعدوي ، السنّة الوحي